جامعة غرداية

 كلیة الحقوق والعلوم السياسية

قسم الحقوق

 

متابعة الأعمال الموجهة لمقياس: القانون التجاري

المستوى: سنة ثانية ليسانس جذع مشترك

الأفواج: 06-07-08-09-10

إعداد: الأستاذ محمد الطيب سكيريفة

 

 

 

السنة الجامعية: 2020/ 2021

أهداف التعليم:

اكتساب أساسيات القانون التجاري و مبادئه، و محاولة تكوين فكر قانوني للطالب يمكنه من التعرف على التاجر و الأعمال التجارية والمحل التجاري .

المعارف المسبقة المطلوبة :

  يجب على الطالب أن يكون مزودا بثقافة عامة تؤهله لاستيعاب مبادئ القانون التجاري .

إذ نتناول في أعمالنا بالدراسة على وجه التحديد كلا من:

مفهوم القانون التجاري ومصادره، الأعمال التجارية، التاجر، المحل التجاري.

ومن نافلة القول أنه على طالب الحقوق وبالأخص دراسة هذه المسائل أو الموضوعات، من باب التمكن منها، ومن باب الثقافة القانونية التي يجب أن يطبع بها مختلف مكتسباته المعرفية، لاسيما في اختصاصه.

وسيطبع دراستنا لهذا المقياس البحوث التي ستقدم طبقا لما هو مقرر، وعليه؛ من الناحية المبدئية سيكون على الطالب البحث في المواضيع التالية:

المحور الأول: مفهوم القانون التجاري ومصادره. (البحث الأول)

أولا: مفهوم وتطور القانون التجاري

1-   التعريف. 2- الخصائص. 3- النشأة. 4- الأسس والنطاق. 5- علاقته بالقوانين الأخرى.

 

ثانيا: مصادر القانون التجاري. (البحث الثاني)

1- الأصلية. 2- الاحتياطية

المحور الثاني: مفهوم الأعمال التجارية. (البحث الثالث)

أولا: ضوابط وأهمية التمييز بين الأعمال المدنية و الأعمال التجارية.

ثانيا: أنواع الأعمال التجارية. (البحث الرابع)

  1-بحسب الموضوع.   2-  بحسب الشكل.  3-بالتبعية. 4-  المختلطة.

المحور الثالث: التاجر. (البحث الخامس)

أولا: شروط اكتساب صفة التاجر.

 ثانيا: التزامات التاجر. (البحث السادس)

المحور الرابع: المحل التجاري. (البحث السابع)

أولا: التعريف.

 ثانيا: الطبيعة القانونية. (البحث الثامن)

ثالثا: العناصر المكونة للمحل التجاري. (البحث التاسع)

 

 

 

وفيما يلي، قائمة لبعض المراجع التي يمكن الاعتماد عليها، فضلا عن محاضرات المقياس.

قائمة المراجع:

-نادية فضيل،        القانون التجاري الجزائري (الأعمال التجارية- التاجر- المحل التجاري)،ط 08، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2006.

-أحمد محمود خليل، الافلاس التجاري و الاعسار المدني،        الاسكندرية، منشأة المعارف ، الإسكندرية، 1994.

-محمد فريد العريني، مبادئ القانون التجاري، دراسة في الأدوات القانونية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1998.

-عزيز العكيلي،       الوسيط في شرح القانون التجاري، الجزء 03، ط 01، أحكام الإفلاس والصلح الواقي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2008. 

-جلال وفاء محمدين،         المبادئ العامة في القانون التجاري، الدار الجامعية للطباعة والنشر، الإسكندرية. د. س. ن.

-فرحة زراوي صالح،        الكامل في القانون التجاري الجزائري، الاعمال التجارية، دار ابن خلدون، الجزائر، 2003.

-هاني دويدار، التنظيم القانوني للتجارة (الأعمال التجارية- التجار- السجل التجاري)، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2003.

-علي البارودي، القانون التجاري،  دار المطبوعات الجامعية، مصر، 2006.

-سالم القضاة،        مبادئ القانون التجاري، ط 01، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان،  2000. 

-كامران الصالحي، بيع المحل التجاري في التشريع المقارن ( دراسة مقارنة)،         مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 1998.

-لمياء أصفر، القانون التجاري، وزارة التربية، سوريا، 1982.

-راشد راشد، الأوراق التجارية الافلاس والتسوية القضائية في القانون التجاري الجزائري، ط 06، ديوان المطبوعات الجامعية، 2008. 

-وزارة العدل، القانون التجاري، ديوان المطبوعات الجامعية،  الجزائر.

-نبيل ابراهيم سعد، الاثبات في المواد المدنية والتجارية في ضوء الفقه والقضاء،        منشأة المعارف، الاسكندرية، 2000.

-محمد شتا أبو سعد، الاثبات في المواد المدنية و التجارية و الشرعية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997.

 

 

 

 

 

بطاقة تعريفية

وهذه البطاقة هي لتوجيه الطالب إلى ما يمكن تناوله في موضوع البحث، وعليه سنبدأ بملخص للموضوع الأول، على أن نكمل باقي ملخصات المواضيع المتبقية تباعا.

الموضوع الأول: مفهوم وتطور القانون التجاري

تعد التجارة الشريان النابض للدولة و ينعكس ذلك إيجابا على تطور ذلك المجتمع ، إذ أنه في الوقت الحاضر يقاس تطور الدولة بتطور تجارتها وازدهارها، حيث أصبحت التجارة تمثل سلاحا دوليا ومنه تفرض الدولة شروطها ومكانتها في المجتمع الدولي، ولا يكون ذلك إلا بانتهاج سياسة معينة وفقا لقوانين تخدم هذه التجارة و تطورها.

 وإذا عدنا إلى الوراء نقول أن التجارة كانت مسايرة للتطور البشري و الحضاري إذ أنها نمت وتطورت وفق مصلحة الأفراد، ولكن كيف كان يفهم هؤلاء هذه التجارة، أو بمعنى أخر على أي أساس كانت تتم العلاقة التجارية بين الأفراد؟

  من المتعارف عليه أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يبحث دائما إلى تطوير هذه العلاقة مصداقا لقوله تعالى " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا "

 و أساس هذا التعارف بين الشعوب هو التبادل في شتى الميادين و المجالات، لا سيما منها الجانب التجاري وعليه نتساءل كيف تطورت التجارة عبر العصور حتى وصلت إلى الشكل الذي هي عليه الآن ؟

  لقد أسلفنا أن التجارة لا بد أن تحكمها سياسة رشيدة هادفة لتحقيق المنفعة و الصالح العام

للمجتمع، وهذا لا يتسنى إلا بوجود قانون ينظمها ألا و هو القانون التجاري، لكن ما هي علاقة هذا القانون بالقوانين الأخرى المطبقة في الدولة؟

  وإذا سلمنا بأنه لا مناص من وجود القانون التجاري لتنظيم التجارة بين الأفراد فيما بينهم، أو حتى بين الدولة والدول الأخرى، وهذا ما يحتم علينا القول هل يمكن للقانون التجاري كونه قانونا خاصا أن يستقل عن الشريعة العامة ؟

إذا رجعنا إلى موضوع بحثنا نجده يطرح الإشكالية التالية:

ما المقصود بالقانون التجاري ؟ وكيف وصل إلى ما هو عليه من تطور ؟ وهل كان لذلك أثر في علاقته بالقوانين الأخرى ؟ وهل وصل إلى درجة الاستقلالية ؟

  إنه لدراسة هذا الموضوع لأهمية قصوى خاصة من الناحية القانونية لأنها تتجلى أساسا في معرفة حقوق وواجبات الأفراد الذين يخضعون لأحكام هذا القانون .

  وتكمن أهمية هذا الموضوع تاريخيا، ويتمثل ذلك في تطور القانون التجاري وصولا إلينا كما هو حاليا، وكذا الجانب القانوني لمعرفة دور المشرع الجزائري في مواكبة التقدم والتطور القانوني وفقا لما هو سائد في المجتمع الدولي .

  ومما يلاحظ أن القانون التجاري لم يعد كما نشأ، و إنما تحكمت في تطوره عوامل كثيرة كالعوامل الاجتماعية، السياسية و لا سيما منها الاقتصادية وتفتح العالم .

 

المبحث الأول: تعريف القانون التجاري و تطوره

المطلب الأول: تعريف القانون التجاري

  أولا و قبل كل شيء نشير إلى أن هناك غياب في تعريف القانون التجاري في التشريع، لكن ذلك لا يمنع من أن المشرع قام بتحديد نطاق وموضوع القانون التجاري ولكن كل ذلك لم يرقى إلى تعريف، مما أدى بذلك إلى تدخل الفقه الذي عرفه على أنه" فرع من فروع القانون الخاص، لأنه يشمل على قواعد قانونية تحكم مجموعة من الأشخاص تدعى التجار، ومجموعة من الأعمال تدعى الأعمال التجارية ومجموعة من الأموال وتدعى الأموال التجارية"[1]

لكن على أي أساس تم هذا التعريف ؟ وما موقف المشرع الجزائري والتشريعات المقارنة منـه؟

الفرع الأول : تعريفه على أساس نطاقه التجاري

اختلفت الآراء الفقهية و انحصرت في نظريتين شهيرتين[2]:

النظرية الشخصية (الذاتية): و نادى بها الفقيه "أسكارا "و مفادها أنها تجعل من شخص التاجر أساسا للقانون التجاري، وبالتالي يطبق عليه، أما الشخص غير التاجر فيطبق عليه القانون المدني حتى ولو قام بعمل تجاري .وتعد هذه النظرية الأولى في الظهور تاريخيا قبل النظرية الموضوعية.

تقدير هذه النظرية: إذا سلمنا بالقول أن الشخص التاجر يخضع للقانون التجاري فلماذا لا تخضع أيضا حياته الشخصية والعائلية للقانون التجاري؟، كذلك لماذا نستبعد غير شخص التاجر عند قيامه بعمل تجاري مع أنه استفاد من مزايا القانون التجاري كالائتمان مثلا، وأن لا نطبق عليه بعض أحكام هذا القانون الصارمة كالإفلاس مثلا رغم قيامه بعمل تجاري .

النظرية الموضوعية (المادية): تأخذ بالعمل التجاري وبذاته دون النظر في القائم به سواء كان تاجرا أو غير تاجر وهذا هو أساس القانون التجاري ومنه فطبيعة العمل هي التي تحدد نطبق القانون التجاري عليه أو لا .

تقدير هذه النظرية: تحديد الأعمال التجارية بصفة قطعية أمر صعب وقد تتطور الأعمال التي كانت غير تجارية لتصبح في يوم ما أعمال تجارية.

الفرع الثاني : موقف التشريع الجزائري والتشريعات المقارنة من تعريف القانون التجاري

1-  موقف التشريعات المقارنة من تعريف القانون التجاري: النظرية الذاتية أخذ بها كل من التشريع الألماني و الايطالي و كذلك التشريع السويسري .

حيث أن القانون الايطالي سنة 1940 حاول تعداد الحرف التجارية وأوجب على من ينتمي إلى هذه الحرف التقيد في السجل التجاري .

 وأول قانون أخذ بالنظرية الموضوعية هو القانون الفرنسي عام 1807 حيث لم يعرف التاجر بل عدد الأعمال التجارية في المواد 631 إلى 633 وأول من يقوم بها القيد في السجل التجاري،

أما القانون اللبناني في مادته الأولى نص على: "القانون الذي يتضمن القواعد المختصة للأعمال التجارية التي يقوم بها أي شخص مهما كانت صفته القانونية "

موقف المشرع الجزائري: بعد التعديل الذي جاء سنة 1996 نجد أن المشرع الجزائري أخذ بالنظرية الذاتية كمبدأ عام واستثناءا النظرية الموضوعية وهذا ما نستنتجه من بعض نصوص القانون التجاري الجزائري الصادر بالأمر رقم 59 لسنة 1975 .

المادة 1 ق. ت. ج مكرر " يسري القانون التجاري على العلاقات بين التجار... "

المادة 1 ق. ت. ج "يعد تاجرا كل من يباشر عملا تجاريا و يتخذه حرفة معتادة له " من خلال هذا النص المشرع أخذ بالنظرية الموضوعية في مباشرة العمل التجاري، و أخذ بالنظرية الذاتية في احتراف العمل التجاري.

المادة 2 ق. ت. ج "يعد عملا تجاريا بحسب موضوعه : كل شراء للمنقولات لإعادة بيعها بعينها أو بعد تحويلها و شغلها – كل شراء للعقارات لإعادة بيعها " نلاحظ هنا أن المشرع أخذ بالنظرية الموضوعية. أما في الفقرات الأخرى من نص المادة 2 ق. ت. ج  تتكلم عن المقاولة وهي عنصر ذاتي لأنها احتراف وامتهان من التاجر فالمشرع أخذ بالنظرية الذاتية.

المادة 4 ق. ت. ج "يعد عملا تجاريا بالتبعية: الأعمال التي يقوم بها التاجر والمتعلقة بممارسة تجارته أو حاجات متجره – الالتزامات بين التجار " المشرع أخذ بالنظرية الذاتية.

المطلب الثاني: تطور القانون التجاري عبر العصور

لقد مر القانون التجاري بمراحل عديدة أدت إلى تطوره ووصوله إلى ما هو عليه الآن فما هي هذه المراحل يا ترى ؟

1- المصريون: كان اهتمام المصريون منحصرا في الزراعة والفلاحة حول وادي النيل، وكانت التجارة قاصرة على اليهود و الكلدانيين و كانوا أجانب في مصر، لكن رغم هذا إلا أن بعض المؤرخين يرون أنه في القرن السابع قبل الميلاد أصدر أحد الملوك يدعى يوخوريس قانونا تضمن قواعد صارمة بالنسبة للقرض بفائدة وفي غير هذا لا يوجد ما يثبت قواعد أخرى عرفها المصريون .

2- البابليون: كان لديهم قانونا يعرف بقانون حمو رابي وقد اشتمل على قواعد تجارية هامة منها القرض بفائدة عقد الشركة وعقد الوديعة أو إيداع السلع وعقد الوكالة بعمولة وكذلك عقد القرض البحري[3].

3- الفينيقيون: كان الشعب الفينيقي متعودا على القرصنة في البحر الأبيض المتوسط مما أدى به إلى معرفة عدة قواعد بحرية لازالت مشهورة في القانون البحري إلى الآن ومثالها القرض البحري ويسمى أحيانا قرض المخاطر الجسيمة، كذلك قاعدة الرمي في البحر الذي يعد أساس نظام الخسائر البحرية المشتركة في القانون الحديث .

4- اليونانيون: في ظل تطور التجارة البحرية التي انتشرت في البحر الأبيض المتوسط أصبح اليونانيون من كبار التجار الملاحين حيث ابتكروا عملية القرض الجزافي ومفاده أن يتحمل المقرض مخاطر الملاحة، وهذا النظام هو أصل نظام التامين الحديث.

5- الرومانيون: قدسوا الزراعة التي كانت مصدر رزقهم، أما التجارة فتركوها للعبيد على أساس أنها أعمال دنيا يترفع عنها الرومان الأحرار. كما نلاحظ أن الرومان اهتموا كثيرا بالقانون المدني والشكلية المفرطة التي لا تخدم القانون التجاري .

  لكن بعد غزو روما للشعوب المجاورة جعلت هناك تقسيم لقانونها حيث جعلت القانون المدني لصالح أحرار روما، أما قانون الشعوب الخالي من الشكليات فجعل للأجانب فيما بينهم وأيضا قانون الألواح الاثنا عشر الذي منح ممارسة التجارة لرجال الدين وأعضاء مجلس الشيوخ، لكن رغم ذلك عرفت بعض العمليات التجارية منها: نظام البنوك ونظام المحاسبة إذ كان الرومان يمسكون دفاتر تبين الدخل والنفقات، ونظام الرمي في البحر، كذلك عرف الرومان فكرة الإفلاس المالي. اثر سقوط الإمبراطورية الرومانية بسبب غزوات البربر في القرن الخامس الميلادي تقلصت التجارة وبدأ نظام الاقتصاد المغلق المحصور داخل المدينة، فتوقف النشاط التجاري تماما وهكذا أما إن طلع القرن التاسع الميلادي حتى صارت أوروبا مجتمعا زراعيا ريفيا محضا .

 وهذا ما أدى بظهور الإقطاعيين حيث انتظموا في شكل هرم الملك في القمة ثم كبار الإقطاعيين ثم النبلاء التابعين للإقطاعي والشعب في القاعدة[4]. كما استبد النبلاء والإقطاعيون بالتجار ففرضوا عليهم الرسوم وهذا ما أدى بهؤلاء التجار إلى التضامن والاتحاد لان مصالحهم مشتركة ، وقد استغلوا في ذلك الحروب الداخلية بين الإقطاعيين ببعضهم البعض وراحوا يملونها بهدف إضعافهم و القضاء على سلطانهم حيث انتظم التجار في شكل جمعيات وهكذا تدريجيا تكونت طائفة التجار، وفي القرن الثالث عشر أصبحت مدينة البندقية تضم 58 طائفة و بباريس 100 طائفة للتجار.

  وكانت ايطاليا بحكم موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأبيض المتوسط تتلقى كل شيء حديث جاء به العرب و هذا في القرنين السابع و الثامن ميلادي ،حيث أن العرب ابتدعوا عدة قواعد تجارية كشركات الأشخاص و نظام الإفلاس و التعامل بالسفتجة و المبدأ ألرضائي الذي عرفته الشريعة و الذي يتمثل في قاعدة حرية الإثبات في المواد التجارية لقوله تعالى "يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ".

  هذا و بفضل ما جاء به العرب ازدهرت مدن ايطاليا كجنوا، البندقية، ووجدت بها أسواق عالمية .أما في الدول الأوروبية الأخرى فقد كان للكنيسة دورا غير مباشر في تطور التجارة، خاصة عندما حرمت قرض المال بربا مما أدى بأصحاب الأموال إلى استثمارها حيث ابتكروا نظام التوصية .

 وقد تميزت مرحلة العصور الوسطى بظهور القانون التجاري المعروف بمعناه اليوم، إذ وضعت قواعده في حي كاليمالا ومعناه الشارع السيئ وهو الشارع الذي كانت تجتمع فيه أكبر طائفة للتجار، كما أنشأ تجار المدن الايطالية  قضاءا تجاريا مستقلا عن القضاء العادي .ومنه نقول أن ايطاليا تعتبر مهد نشأة القانون التجاري.

تميزت مرحلة العصر الحديث عند اكتشاف أمريكا عن طريق رأس الرجاء الصالح و كانت التجارة هي السبب في اكتشافها إذ بعد ذلك فقدت ايطاليا سيادتها و تحول النشاط التجاري من شواطئ المحيط الأطلسي إلى غاية حدود رأس الرجاء الصالح.

 وبعد هذه الاكتشافات ظهرت ظاهرة الاستعمار من أجل استغلال العالم الجديد اقتصاديا و فتح أسواق تجارية مما أدى إلى إنشاء شركات المساهمة .

 ويلاحظ في هذا العصر أيضا بروز قوة السلطة المركزية في الدول الكبرى التي تحولت إلى شكل الدولة الحديثة . وقد أدى هذا إلى حركة تقنين القانون التجاري .

  لكننا في هذه الدراسة سنركز على تقنين القانون التجاري الفرنسي وذلك راجع لأن معظم الدول العربية بما فيها الجزائر قد استنبطت قوانينها من أحكام القانون التجاري الفرنسي.

  ويعود أول تقنين للقانون التجاري الفرنسي إلى عهد لويس الرابع عشر حيث اقترح عليه وزيره –كولوبار – إصدار أمر ملكي يقضي على الفوضى القانونية التي نشأت من تعدد الأعراف والعادات داخل المدن الفرنسية، فشكلت لجنة من أهم أعضائها شيخ تاجر يدعى –جاك سفاري- ووضع أول تقنين للتجارة البرية سنة 1673 ويسمى بتقنين سفاري لكن هذا التقنين اصطبغ بالصبغة الطائفية .

 وفي القرن الثامن عشر ظهرت حركة إصلاحية في فرنسا و تأثرت بفلسفة الفيزيوكرات تهدف إلى إلغاء نظام الطوائف، وكان رائد هذه الحركة- تيرقو- الذي وصف لوائح التجارة بأنها قوانين صاغها الجشع و اعتمدت دون تمحيص في أزمان الجهل ،ولكن هذا الإصلاح لم يدم إذ زال بعزل تيرقو من منصبه .

 ولما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 التي تبنت المبادئ التالية: الحرية، المساواة، والإخاء وألغت نظام الطوائف عام 1791 قانون شابلييه، وصدر القانون المدني الفرنسي (مجموعة نابليون المدنية) عام 1804، ولم تصدر المجموعة التجارية إلا سنة 1807 ليتم العمل بها ابتداءا من جانفي 1808 مع الملاحظة أنه وقعت أزمة اقتصادية خطيرة نتيجة تلاعب موردي عتاد الجيش الإمبراطوري وتسهيلهم تداول كميات كبيرة من الأوراق التجارية دون وجود مقابل وفاء جدي لها الأمر الذي أدى إلى تهديد البنك الفرنسي بالإفلاس.

هذا ولما بدأ العمل بالقانون التجاري الفرنسي في جانفي 1808 فانه كان خليط بالقانون الصادر في سنة 1673 المتعلق بالطابع الطائفي و قواعد حديثة من مبادئ الثورة الفرنسية .

المطلب الأول: علاقـــــة القانون التجاري بالقوانين الأخرى

إن من خصائص التجارة التطور المستمر اللامتناهي، إذ أنها تمتاز بالسرعة في التعامل بين التجار مما يستوجب وجود الثقة و الائتمان بينهم كذلك الصفة الدولية التي أضحت على التجارة حاليا، كل هذا ينصب على القانون التجاري فما هي علاقته بالقوانين الأخرى؟

الفرع الأول: علاقة القانون التجاري بالقانون الاقتصادي[5]

توجد علاقة وثيقة بين القانونين، إذ أن قانون الاقتصاد يبحث عن كيفية إشباع الحاجات الإنسانية عن طريق الموارد فان القانون التجاري ينظم وسائل الحصول على هذه الحاجات بمعنى آخر أن الاقتصاد يقوم على الإنتاج والتوزيع والاستيراد والتصدير وهذه لا تتم إلا إذا اهتم بها القانون التجاري ونظمها من الناحية القانونية والاتفاقية والقضائية، وبالتالي فكل من الاقتصاد و القانون التجاري يعمل على توفير و تسخير الحاجات الإنسانية للفرد.

 لقد اعتبر بعض الفقهاء، القانون التجاري هو قانون النشاط الاقتصادي بجميع صوره ويعرف هذا الفرع من القانون وفقا لهذا الرأي بأنه مجموع القواعد المتعلقة بنشاط الإنسان من إنتاج وتملك وتداول واستهلاك للثروات.

كما أن للقانون التجاري صلة وطيدة مع القانون الدولي، وذلك لان الدولة تضع قواعد للإتجار بقصد المحافظة على النظام العام، وفي سبيل تحقيق خطتها الاقتصادية تقوم بإبرام اتفاقيات تجارية دوليــة.

  كذلك توجد صلة بين القانون التجاري و القانون الدولي الخاص في حالة وجود عنصر أجنبي فانه يقوم بتنظيم العلاقات التجارية بين الأجانب وهذا راجع إلى تطور وسائل النقل وانتشارها مما أدى إلى توحيد أهم قواعد القانون التجاري. وهناك العديد من الاتفاقيات الدولية إذ أنه بموجب المصادقة عليها من طرف رئيس الجمهورية ونشرها في الجريدة الرسمية فإنها تصبح ملزمة ومثلها مثل القانون ومثال ذلك: اتفاقية بــــــــون عام 1953 المتعلقة بالنقل بواسطة السكة الحديدية، اتفاقية جنيــــف عام 1930 المتعلقة بتوحيد أحكام السفتـــجة والسند الاذني، اتفاقيــة أحكام الشــيك عام 1931 .

  هناك علاقة بين القانون التجاري و القانون الجنائي إذ ينظم هذا الأخير الجرائم والمخالفات المتعلقة بممارسة التجارة كجريمة تقليد أو تزوير براعات الاختراع و الاعتداء على الاسم التجاري ،وجريمة سحب الشيك بدون رصـيد ولا تقتصر علاقة القانون التجاري على القانون الجنائي فحسب بل تتصل أيضا بالقانون الضريبي الذي يقوم بتنظيم ضريبة خاصة على الأرباح التجــارية والصنــاعية .

  بعد أن عرفنا أن للقانون التجاري علاقة جد وطيدة بينه وبين القوانين الأخرى هل يمكن له أن يستقل عن الشريعة العامة( القانون المدني) ؟

  يرى أصحاب هذه النظرية أنه لا يجب إن يستقل القانون التجاري عن القانون المدني لأن القانون التجاري نشأ عن طريق الطوائف وبما أنها زالت بعد الثورة الفرنسية فإنه منطقيا لا بد من الوحدة بين القانونين لأنه زال السبب زالت النتيجة.[6]

  كذلك يعتمدون على حجة تاريخية مفادها أن التاريخ قد كرس وحدة القانون الخاص أي أن القانون الروماني لم يخصص التجار بقواعد خاصة بل كانت مندمجة في القانون المدني، وإذا كان للقانون التجاري مزايا لابد أن تعمم كالسرعة والتبسيط والبعد عن الشكليات وحرية الإثبات فلا محل لقصر هذه المزايا على كافة الروابط القانونية الخاصة. كذلك يستندون على تحقيق

التوحيد في بعض الدول مثال ذلك سويسرا التي أصدرت تقنينا موحدا للالتزامات عام 1911، وايطاليا التي وضعت تقنينا موحدا للقانون الخاص عام 1942، وانجلترا التي حصل فيها التوحيد و ذلك باندماج قانونها التجاري العرفي في الشريعة العامة منذ أوائل القرن الثامن عشر. وأيضا حجبهم أن النظم التجارية مثل الاعتمادات ،التعامل بالسفتجة ،أعمال البنوك الأوراق التجارية هذه الأعمال شاع استعمالها ليس على التجار فقط ولا على الأعمال التجارية فحسب ومنه لم تعد حكرا على القانون التجاري و هذا إن دل على شيء فانه يدل على وحدة القانونين. يذهب فريق من الفقهاء إلى القول بوجود أسباب تدعوا إلى استقلال القانون التجاري عن القانون المدني شكلا و موضوعا، ويردون على أنصار الوحدة كالتالي:

  من الناحية التاريخية لا يمكن مقارنتها بما هو حديث في التجارة، لأن البيئة التي كان يحكمها القانون الروماني كانت ضيقة و لا تتناسب مع التجارة في العصور الحديثة لأنها توسعت كثيرا.

  أما من حيث الامتيازات فإنها في الحياة التجارية ايجابية لها عكس الحياة المدنية فتكون مضرة بها مثل عامل السرعة فهو مهم في الحياة التجارية و مضر بالحياة المدنية لحرمان المتعاقد من التروي و التفكير في إبرام العقد لأنه نادرا ما يقوم بعقد، كذلك في حرية الإثبات فإننا نحرم المدين المدني من الدفاع عن مصالحه. أما ردهم عن الوحدة في التقنين السوري و الايطالي فيقولون أنها وحدة شكلية و ليست موضوعية، حيث أن قانون الالتزامات السويسري خص في الجزء الثاني منه للمعاملات التجارية إذ منه هذا ازدواج و ليس وحدة .

  أما انجلترا فتغلب عليها الأعراف التجارية أكثر من المدنية، وكذلك توجد مجالات تقنية لا تصل أن تكون عرفية من قواعد الشيك، وغيرها و هي تتعلق بالقانون التجاري .

  إذا عدنا إلى النظم التجارية واتساعها كالشيك، الأوراق التجارية، التعامل مع البنوك هذا ليس دليلا على الوحدة و إنما هو دليل على استقلالية القانونين وفي الأخير يقول أنصار الاستقلالية إن القانون التجاري الحديث تتجه أحكامه إلى التدويل، بينما القانون المدني فان أحكامه تتصف بالمحلية ومنه لا يجوز الجمع بين القانونين.

  أما في الجزائر فان القانون التجاري مستقل عن القانون المدني، ويوجد قسم على مستوى المحكمة يسمى بالقسم التجاري وتوجد غرفة على مستوى المجلس وهي الغرفة التجارية و البحرية وتشكيلتها تختلف عن تشكيلة الغرفة المدنية، وكذلك على مستوى المحكمة العليا كما له تقنين خاص به.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظات توجيهية:

نظرا للظروف الاستثنائية الراهنة يتعين على طلبتنا الأعزاء التأقلم مع الوضع في حال استمرار تعذر استكمال دروس الأعمال الموجهة، أو استئناف الدراسة حضوريا إن شاء الله تعالى، حسب الحالة لذا:

-يحاول طلبة كل فوج من الأفواج 06- 07- 08- 09- 10. سنة ثانية جذع مشترك – حقوق، التواصل مع بعضهم لتحديد مجموعات لتحضير وإجراء البحوث، وإن تعذر ذلك يمكن للطالب أن ينجز البحث منفردا.

-يراعى في إنجاز البحوث قواعد ومنهجية إعداد البحوث العلمية (مراعاة الجانبين الشكلي والموضوعي).

-يمكن للطلبة الاستفادة من المذكرات والرسائل الجامعية والقرارات القضائية وتوظيفها في الموضوع.

-قيام باقي الطلبة بتحضير الموضوع في شكل بطاقات يتم مراقبتها باستمرار.

يرجى وبعد أن يتم تأكيد ذلك لكم لاحقا، إرسال البحوث المنجزة وبطاقات التحضير إلى البريد الإلكتروني مع التأكيد على ذكر الاسم واللقب ورقم الفوج وعنوان البحث. sekirifamohamedtayeb@gmail.com      

 

 



[1] - علي فتاك، مبسوط القانون التجاري الجزائري، ابن خلدون للنشر و التوزيع، الجزائر، ص.7.

[2] - فضيل نادية، القانون التجاري الجزائري، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994، ص47-48.

[3] - فضيل نادية، مرجع سابق، ص. 19-  27.

[4] - محمد هلال، مذكرات في القانون التجاري، ط 03،  ديوان المطبوعات الجامعية، 1990، ص.11.

[5] - فضيل نادية، مرجع سابق، ص. 13- 15.

[6] - محمد هلال، مرجع سابق، ص.27- 29.